2009/04/21

الله هنا

بتعطل السيارة لم تكن هناك خيارات كثيرة. للحظ كان أحدهم يعرف مكاناً قريباً ننتظر فيه وصول مساعدة. أنزل هاتفه الخليوي، و أخبرنا أن نتبعه.

ظلام معتم— فقط أصوات احتكاك أحذية بالأعشاب و الشجيرات المتناثرة. نمرّ بمنطقة بلا أشجار منتصفها درجات صخرية غير مهذبة تقود إلى أعلى. رهبة ينثرها ضوء القمر على المكان، لكن أحداً لم ينظر. تابعنا السير.

...

أربع درجات فقط. كان أقرب لممر منه لدرجات صخرية.

ساحة دائرية صغيرة خالية تطوقها أشجار. على الطرف الآخر كان شيء أقرب لمبنى صغير. توجهت نحوه. ضوء القمر يسقط عبر فجوة في الأشجار على تمثال بشري يحمل وجه أسد. إلى جواره ما يشبه المدخل، لكنه مغلق. أمامه كانت شمعه واحدة مشتعلة— شعور بالخوف ملأني؛ كأنه مكان لممارسة طقوس ما.

تركت المكان بسرعة و عدت لألحق بالبقية.

...

كان المسجد هو المكان الوحيد الذي يمكنه استضافتنا في هذا الوقت، و ربما المكان الوحيد المفتوح. مع دخولنا ناولتني شابة غطاءً لأضعه على شعري و قادتني إلى حجرة مجاورة. وقفتُ أستند إلى الجدار. كانت تنظر إلى الأرض. بعد فترة سألتني بصوت خافت إن كنت أحتاج إلى شيء، ثم جلستْ و تناولتْ مصحفاً لتتابع من حيث العلامة.

أتأمل الزخارف على الجدران.. "تدرين.." .. دون أن أنظر نحوها.. "من حسن الحظ أن المسجد مفتوح في هذا الوقت."

صوت تمتمة من حيث تجلس لثانية توقف بها القراءة.. "...الله العظيم.. في العادة ما نفتح المسجد قبل صلاة الفجر بنصف ساعة.."

"اليوم مناسبة خاصة إذن؟"

صمتت فترة طويلة. نظرت نحوها.... "اليوم،" .. و دون أن ترفع رأسها من المصحف.. "الله هنا..".

...

خرجتُ إلى المسجد— الإمام يجلس إلى عمود بالقرب من المنبر الصغير، بينما يؤدي البقية الصلاة متفرقين. توقفتُ أمامه. جلست. أغلق المصحف و نظر إلي.. "سيدنا الشيخ، هل توجد دور عبادة أخرى بالجوار؟"

اتسعت ابتسامته.. "خيراً يا ابنتي؟ هل أزعجناك في شيء؟"

"لا، لا! أبداً!" .. أهزّ رأسي.. "فقط سؤال دار بذهني.."

وضع المسند بجوار رف المصاحف القريب.. "كل أهل المكان هنا مسلمون يا ابنتي."

أطرقتُ. أخرج مسبحة رمادية. تمتمة غير واضحة. "ما قصة المعبد في الأشجار إذاً؟"

توقفت التمتمة. رفع رأسه إلي.. "معبد في الأشجار؟"

أتردد.. "يعني..، رأيت مبنى ما غريب و نحن في الطريق إلى هنا؛ مبنى صغير تحيطه أشجار كثيفة.."

"آه، ذاك!" ..أصابعه تعبث بالمسبحة.. "هو مبنى يخص طائفة كانت تسكن هنا."

"طائفة؟ تعني مسلمين؟"

"أجل."

"غريب.."

ابتسم.. "هي طائفة ذات معتقدات خاصة نوعاً" .. "كما تعلمين يا ابنتي، فإن الله عز و جل يهبط إلى السماء الدنيا في أوقات خاصة. ليلة القدر على سبيل المثال— في هذه الأوقات تزداد السماء ألقاً بنور إلهي، و يسمع الله صلوات عباده الذين ظلوا ساهرين يطلبونه، فيجيب دعاءهم حتى ينفجر الصبح."

صمت.

"...هذه الطائفة كانت تفسر الأحاديث الواردة بهذا الشأن بشكل مختلف—؛ قاموا ببناء الـ..معبد الذي تتحدثين عنه، و أسموه 'بيت الله'— كانوا يعتقدون أن الله تعالى سيهبط على هذا المكان في تلك الأوقات الخاصة."

أضمُّ كفيَّ في حجري.. "و لماذا يهبط الله على هذا المكان بالذات؟"

"لأنه لا يوجد أي مكان آخر في العالم بُني بهذه النية و لهذا الغرض يا ابنتي.."

أطرقت.. "هو مسجد إذن.."

"ليس تماماً؛ لا أحد يمكنه الدخول إليه."

أرفع رأسي.. "كيف؟"

"لسبب ما قاموا بطلاء جزء من المبنى بلون مختلف، لكنه ليس مستقلاً عن بقية البناء—" .. "باختصار: ليس له أبواب." .. نهض.. "اعذريني الآن يا ابنتي؛ سيحين وقت أذان الفجر بعد قليل."

و اتجه صوب المنبر الصغير.

...

صوت القرآن يملأ المسجد..

"أنتِ مسلمة؟"

صمت مشوَّش يتخلل الآيات..

"سؤال غريب.."

...

أستند بظهري إلى الجدار.. "لماذا لم يُهدم ذلك المبنى؟"

"تقصدين 'بيت الله'؟— لا أعرف، لكن سمعت فضيلة الإمام يقول ذات مرة أنه مكان يحمل قيمة إنسانية، و ليس معنى أنه تم تشييده لأسباب لا تتفق و فهمنا أن نقوم بإعدامه."

"هو لا يرى في الأمر تجديفاً؟" .. نظرتُ نحوها. كانت تميل على ركبتيها تتفقد شيئاً..

"من الصعب قول ذلك كما تعلمين—؛ لا أحد تحدث عن، أستغفر الله العظيم، عن تجسد مادي. كل ما كانوا يقولونه أنه مكان لعبادة الله عز وجل لا أكثر، و لم يحاولوا حتى أن ينشروا معتقداتهم في المكان."
أدارت رأسها نحوي يحمل ابتسامة، "ثم أنت لا تعتقدين أن الله تعالى سوف، أستغفر الله العظيم، يهبط على ذاك المكان؟"

صمت. تعود لتفقد أشياءها.

أتأمل الزخارف على الجدران.. "و التمثال؟"

"...لا أعرف عنه شيئاً، لكن فضيلة الإمام قال أنهم كانوا يسمونه 'الحاجب'" .. "لماذا تشغلين بالك بهذا الموضوع؟" .. ارتفع صوتها قليلاً. نظرت نحوها. كانت تقف و تنظر إلي.. "لم يعد هناك من يتبع تلك الطائفة الآن، و كل القصة غدت من أساطير الأولين." .. و ابتسمتْ.

...

"الله أكبر.."
تركت الصف و غادرت المسجد دون صوت.

...

كان ضوء القمر يسقط عبر فجوة في الأشجار على تمثال بشري يحمل وجه أسد. أقترب.. هناك وجه آخر على الجانب الأيمن للتمثال، وجه لنسر. أتابع التحرك حوله— وجه آخر إلى يمين جانب النسر، هذه المرة لثور. وجه رابع بشري على جانب وجه الثور الأيمن، و إلى اليمين منه وجه الأسد و مقدمة التمثال. سبعة عيون هي ما يميز كل وجه. أربعة أجنحة هائلة تخفي يدين بشريتين و باقي الجسد تغطيه العيون. بصعوبة أرى إحدى القدمين تنتهي بأظلاف. على القاعدة كانت نقوش بالكاد تُقرأ على دائرة ضوء القمر. أقترب أكثر. أقرأ، "بسم الله نور..." قرب الحافة تبقَّت عبارة وحيدة واضحة— "الله هنا".

هنا انتبهت؛ خلف الشمعة، كان المدخل مفتوحاً.

...

لاح المسجد. كانت هناك سيارة تقف أمامه، و على الباب وقف الشيخ. كانت الفتاة تطل من النافذة الزجاجية، تنظر باتجاهي. شكرت الشيخ. ابتسمتْ لي الفتاة فابتسمتُ، و ركبتُ السيارة ■