2008/07/19

الحميمية استمتاعاً بالفقد

فيما أقرأ عن الليمرنس limerence وإريخ فروم erich fromm تذكَّرت المجنون. يقولون في إحدى الروايات عن موته أنهم وجدوه في الصحراء منكفئاً على قبر سيدة مجهولة، وإلى جواره كانت آخر أبيات إما قالها ونقلها غيره عنه، وإما كتبها على الرمال كما يقولون في ويكيبيديا. لا أعرف الأبيات، لكن أغلب الظن أنها هذه فقط لأنها أعجبتني (h)
أيا قبرَ ليلى لا شهدناك أعْوَلَتْ .*. عليك نساءٌ من فصيحٍ ومن عجمْ

ويا قبرَ ليلى أكرِمَنَّ مَحَلَّها .*. يكُنْ لكَ ما عِشنا علينا بها نِعَمْ

ويا قبرَ ليلى إنَّ ليلى غريبةٌ .*. بأرضكَ لا خِلٌّ لديها ولا ابنُ عمْ

ويا قبرَ ليلى ما تضمَّنتَ قَبْلَها .*. شبيهاً لليلى ذا عفافٍ وذا كرمْ

ويا قبرَ ليلى غابت اليوم أمُّها .*. وخالتُها والحافظون لها الذّمَمْ
ليلى-تشان كانت شخصية غريبة الأطوار؛ فمن ناحية كانت تؤكد أنها تحب الفاتورة، حتى أنها في مرة قالت عن حبها أنه يفوق حبه لها لأن ’’حبُّه معروفٌ‘‘ فيما حبها مستور. لكنها كانت تعرض عنه وتقبل على غيره، وفي النهاية تزوجت من آخر فجُن!

قيس نموذج يُعيَّر به الليميرنس؛ حين يكون السقوط في الحب ليس فقط معمياً بل قهرياً compulsive يخترق فكره وأولوياته وكل شيء، وكأنه أشبه بأفكار تجديفية أو وسواس. ليلى كانت أقل منه في هذا، وأظن ـ بحسب ما يمكنني استقراؤه ـ أنها كانت تعاني القلق والاضطراب حيال حب الفاتورة، ولهذا لم يكن لهما أن يجتمعا.

الأمر الآخر أن قيس وضع نفسه تحت ليلى، وبالتالي لم تأخذه لأن طبيعة الإنسان البحث عما هو أعلى. الأخ العزيز كارل يونڠ كتب مرة أن الطبيعي أن يحدث العكس: حين تجد المرأة الفارس القوي يركع ليقبِّل كفها جاعلاً نفسه أدنى فإنها تستجيب إلى بادرته بأن تريه أنه لا يدني من نفسه في حياتهما الخاصة، بل وتثبت له أنها هي، الزوجة، الأدنى منه لأنها تعشق ’’وهم البطل الذي تزوجها على انعدام حيلتها‘‘.

مع تحفظي الكامل على سخافة ثنائية الرجل=فوق/المرأة=تحت التي كرسها ذكور البشرية (وتحفظي على العكس أيضاً) إلا أن هناك الكثير جداً مما يثير التفكير لدى يونڠ ولدى فروم.

هذا نص يونڠ الذي يفسِّر كلامه:
The persona, the ideal picture of a man as he should be, is inwardly compensated by feminine weakness, and as the individual outwardly plays the strong man, so he becomes inwardly a woman, i.e., the anima, for it is the anima that reacts to the persona. But because the inner world is dark and invisible to the extraverted consciousness, and because a man is all the less capable of conceiving his weaknesses the more he is identified with the persona, the persona`s counterpart, the anima, remains completely in the dark and is at once projected, so that our hero comes under the heel of his wife`s slipper. If this results in a considerable increase of her power, she will acquit herself none too well. She becomes inferior, thus providing her husband with the welcome proof that it is not he, the hero, who is inferior in private, but his wife. In return the wife can cherish the illusion, so attractive to many, that at least she has married a hero, unperturbed by her own uselessness. This little game of illusion is often taken to be the whole meaning of life.

الپيرسونا، الصورة المثلى للرجل كما ينبغي أن يكون، يتم تعويضها داخلياً بواسطة الضعف الأنثوي. وفيما يلعب الفرد دور الرجل القوي في العالم الخارجي فإنه يغدو في عالمه الداخلي امرأة، أنيما؛ فالأنيما هي ما يستجيب إلى الپيرسونا. لكن لأن العالم الداخلي مظلم ولا يراه الوعي المكشوف المنطلق، ولأن الرجل غير قادر بمكان على إدراك ضعفه، فإن تعريفه يتجه أكثر صوب الپيرسونا. يظل نقيض الپيرسونا، الأنيما، في الظلام بالكامل فيما يتم إسقاطها على الخارج، فيصبح بطلنا تحت كعب حذاء زوجته، فلو نتج عن ذلك زيادة ملموسة في قوتها فإنها لن تمنح نفسها أياً منها، لتغدو أقل وأدنى منزلة، وبهذا تقدم إلى زوجها دليل استجابتها بتأكيدها على أن الأدنى في المنزلة في حياتهما الخاصة ليس هو، البطل، بل زوجته. في المقابل ترعى الزوجة وتضم إليها الوهم الذي يجذب كثيرين بأنها على الأقل قد تزوجت بطلاً، من دون أن يتأثر ذلك بانعدام حيلتها. تعد لعبة الوهم الصغيرة هذه في أحيان كثيرة تفسيراً للحياة بأسرها.
أعاد حديث عابر بيني وبين فانتو على الماسينجر العظيم الموضوع إلى رأسي حين كنا نمارس هواية أحبها كثيراً: تسيير أمور الكون والحكم على الأفكار التي أفنى فواتير فيها حياتهم بأنها جيدة أو لا بجرَّة كيبورد. كان الحديث عن بارابل الرفيق آرتور شوپينهاور عن الهيدجهوڠ ديليما: أن حميمية العلاقة الإنسانية تتطلـَّب المفاضلة بين الدفء والراحة، بالضبط كما يحدث لدى مجموعة قنافذ في ليلة باردة؛ كلما اقتربت من بعضها تنشد الدفء في الطقس البارد تنتهي بآلام الأشواك إذ تنغرس في أجسادها، مما يجعل القرب والدفء غايتين مستحيلتين رغم اتفاق القنافذ في طلبهما بنيَّةٍ خالصة، ولهذا فعليها أن تجد ’’المسافة الأكثر ملاءمة‘‘ من بعضها البعض والتي تحقق لها أكبر دفء ممكن بأقل ألم يمكن احتماله.

برأيي، يظلُّ الاعتداد بخير البشر فطرياً محضَ وهم، بل ويكاد أن يكون دينايال شديد الطفولية. لهذا السبب فإن المُنتَج الوحيد لهذه الأطروحة، آي. إي. الإحساس بالأمان [=الدفء] يكون شديد الهشاشة حدَّ الانهيار بالكامل مع أول لمسة، مستحيلاً بالكامل إلى شك وريبة تائهة لا يمكن مداواتهما utterly irrevocable and irreparable uncertainty.

هذا المسخ الذي كان متنكـِّراً في ملابس ’الأمان‘ عبارة عن أربعة سوائل تصبُّ في وعاء.
  • angst آنڠست ـ "هل سأموت من جديد؟ أكثر من المرة السابقة؟" ـ
    مزيج القلق والخوف والضغط النفسي حيال ما يمكن أن يكون من معاناة نتيجة ’شيء ما‘ غير موثوق أو مؤكد يحدثه الفقد، الألم، و/أو الموت.
  • mistrust فقدان [و ليس انعدام] الثقة ـ "لماذا ثانية؟" ـ
    الاعتقاد بوجود مخطط خفي يملكه ’الآخر‘، وهذا المخطط هو سبب معاودة المحاولة لا حسن النية ولا أي شيء آخر جيِّد.
  • self-pity الشفقة الذاتية ـ "أنا لا أستحق كل هذا، ولذلك سأعمل على أن يصيبني!" ـ
    رثاء الحال. النقطة التالية تطبيق مباشر لهذه.
  • ressentiment ريساتيمان
    إحالة المسؤولية عن الضرر إلى سبب خارجي يمكنه امتلاك قوة قاهرة على الفرد، فتحيله من مجرَّد خاسر إلى ضحية.

    مِن ويكيپيديا:
    (T)he problem with the other origin of the “good,” of the good man, as the person of ressentiment has thought it out for himself, demands some conclusion. It is not surprising that the lambs should bear a grudge against the great birds of prey, but that is no reason for blaming the great birds of prey for taking the little lambs. And when the lambs say among themselves, "These birds of prey are evil, and he who least resembles a bird of prey, who is rather its opposite, a lamb,—should he not be good?" then there is nothing to carp with in this ideal's establishment, though the birds of prey may regard it a little mockingly, and maybe say to themselves, "We bear no grudge against them, these good lambs, we even love them: nothing is tastier than a tender lamb."
    ___ F.W.Nietzsche: On the Genealogy of Morality

    إن المشكلة في [البحث عن] أصل ’الخير‘، [عن] الرجل الخيِّر كما رسمه شخص الريساتيمان، تحتاج إلى حل. ليس من المستغرب أن تحمل الحملان ضغينة تجاه الطيور الكاسرة العظام، لكن هذا ليس بالسبب لإلقاء اللوم على الطيور الكاسرة العظام لأنها خطفت الحملان الصغيرة. وفيما تقول الحملان فيما بينها ”إن هاته الطيور الكاسرة شريرة، وأي شيء يحمل شبهاً منها [شرير،] ومن هو على النقيض [منها] هو حَمَل،- أفلا يكون خيِّراً حينها؟“ لا شيء يمكن المعايرة والمعايبة به في هذه القاعدة المُثُلية، لكن ربما تنظر لها الطيور الكاسرة بسخرية نوعاً، وربما تقول فيما بينها ”إننا لا نحمل ضغائن تجاههم، تلك الحملان الخيِّرة، بل إننا نحبهم؛ فلا شيء ألذ من حَمَلٍ طري.“

    Ressentiment is a reassignment of the pain that accompanies a sense of one's own inferiority/failure onto an external scapegoat. The ego creates the illusion of an enemy, a cause that can be "blamed" for one's own inferiority/failure. Thus, one was thwarted not by a failure in oneself, but rather by an external "evil". This issuing of "blame" leads one to desire revenge, or at least believe in the possibility of revenge; this lust for revenge may take many forms, as in the Christian conception of the Last Judgment, or the socialist conception of revolution. In each case, a sense of powerlessness creates the illusion of an enemy; one suddenly conceives oneself to be oppressed rather than merely weak, a phenomenon that spawns externally-directed bitterness (lust for a perceived "revenge").

    الريساتيمان هو إعادة تعيين الألم الذي يرافق إحساس المرء بدونيته/فشله ونسبته إلى كبش فداء خارجي. تقوم الأنا بصنع وهم ’العدو،‘ سبب يمكن ’لومه‘ على دونية/فشل المرء. بهذا فإن ما عاق المرء ليس فشلاً في نفسه، بل ’شر‘ خارجي. إلقاء ’اللوم‘ هذا يقود المرء إلى الرغبة في الانتقام، أو على الأقل يقوده إلى الإيمان باحتمالية الانتقام؛ قد تتخذ هذه الشهوة إلى الانتقام صوراً كثيرة، كمفهوم يوم القيامة في المسيحية، أو المفهوم الاشتراكي للثورة. في كل حالة فإن شعوراً بالضعف، بالإعياء يخلق وهم ’عدو؛‘ فجأة يدرك المرء أنه مقموع [بدلاً من] أنه ضعيف، وهي ظاهرة تولِّد مرارة يتم توجيهها إلى الخارج (شهوة لـ’انتقام‘ ملموس.)

    Ressentiment comes from reactiveness: the weaker a man is, the less his capability for adiaphoria, i.e. to suppress reaction. And on the contrary, the more a man is active, strong-willed and dynamic, the less place and time is left for contemplating all that is done to him, and his reactions (like imagining he is actually better) become less compulsive. The reaction of a strong-willed man (a "wild beast"), when it happens, is ideally a short action: it is not a prolonged filling of his intellect.

    ينبع الريساتيمان من الارتكاسية [=التصرف/التفكير نتيجة ضغط أو همٍّ شعوري]: كلما زاد ضعف الإنسان كلما قلت قدرته على الأديافوريا، كبح الارتكاسية. وعلى النقيض فإنه كلما كان الإنسان ناشطاً يمتلك العزيمة وحيوياً كلما ضاقت فرجة الزمان والمكان لأن يتدبر ما حدث له وتغدو ردود أفعاله (كتخيل أنه أفضل بالفعل) أقل قهرية. إن رد فعل الإنسان قوي العزيمة ("الحيوان البري") حين يحدث ذلك يكون قصير الأمد؛ فهو ليس حشواً مطوَّلاً لفكره.
    إن مرور المرء بألم الوخز الهائل للآخر إبان محاولة القرب والحميمية الأولى، واستخدامه الإيمان الفاسد بالنزوع إلى الانشياء [صُنع قوة خارجية تقهره لتحميلها مسؤولية فشله مقابل تنازله المطلق عن إرادته]، ينتهي بتهييء الذات كي تنتظر ’القصاص‘، وهو ما يمنح ’الآخر‘ مبرراً منطقياً أمام الذات كي يمارس نفس اللعبة!
النتيجة النهائية للسوائل الأربعة: الإيمان المطلق بحتمية قبول الموت في صمت مهما كان عدد مرات وقوعه، ومهما رافق ذلك من ألم ومعاناة.

بعبارة أخرى: إن أي علاقة حميمية بين البشر محكوم عليها وعلى أطرافها بالموت سلفاً، ومن يرفض ذلك سيكون عليه تحمُّل أحد خيارين: أن يحتضن الآخر بقوة إلى أن تنفذ منهما الحياة إذ تنغرس أشواكهما في جسديهما؛ أو أن ’يقف بعيداً‘ محتملاً البرد إلى أن يقضم الصقيع عنه ’آخرَه‘ قبل أن يموت وحيداً.

to embrace the other so tenaciously until they are both drained out of life as their long, sharp quills pierce through each other's corpse; or to 'stand apart', enduring the cold weather until they are frost-bitten of their 'other' before eventually dying out all alone.

همم.. كأن حميمية العلاقات الإنسانية برمَّتها محض اختيار لـ’مع من تموت‘ مبني على خطيئة أصلية. تو فاِيك-ستاي أون توبيك، فإن ليلى-تشان قد اختارت أن يقضم الصقيع قيسها على أن تدخل في التجربة، ربما لأن تصريح قيس باسمها تسبَّب لها بالألم. أما قيس فقد كان نمط سلوكه في البداية انتحاراً مزدوجاً (العناق حدَّ الإدماء)، ثم حين تلقَّى صفعة زواج ليلى لم يجد نفسه إلاَّ مُلقى في دلو السوائل الأربعة.

وطبعاً في النهاية راح الفاتورة ’فطيساً‘ على قبر فتاة لا يعرفها.

= 0

コメントを投稿